الالتزام باتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة (السيداو) مصدره الإرادة الوطنية

صدقت جمهورية مصر العربية على اتفاقية السيداو بتاريخ 18 سبتمبر 1981، ونشرت بالجريدة الرسمية في العدد رقم 51 بتاريخ 17 ديسمبر 1981. وبذلك تكون مصر من أولى الدول المصدقة على هذه الاتفاقية، فما هو مصدر التزام مصر بأحكام هذه الاتفاقية الدولية؟ وما هي القيمة القانونية للتحفظات التي أبدتها عند التصديق؟

أولاً: مصدر التزام مصر بأحكام اتفاقية السيداو:

كان الدستور المصري لسنة 1971 يتضمن نص المادة 151 ونصها "رئيس الجمهورية يبرم المعاهدات، ويبلغها مجلس الشعب مشفوعة بما يناسب من البيان. وتكون لها قوة القانون بعد إبرامها والتصديق عليها ونشرها وفقاً للأوضاع المقررة".

ونصت المادة 56 من الإعلان الدستوري، الصادر بعد الاستفتاء على تعديل الدستور في 30 مارس 2012، على اختصاصات المجلس الأعلى للقوات المسلحة في إدارة شؤون البلاد بعد ثورة 25 يناير 2011، ويكون له في سبيل ممارسة مهمته ... "6ـ تمثيل الدولة في الداخل والخارج، وإبرام المعاهدات والاتفاقيات الدولية، وتعتبر جزءاً من النظام القانوني في الدولة... ".

وأكد رئيس الجمهورية المنتخب الدكتور محمد مرسي بعد توليه مقاليد السلطة التزامه باحترام الاتفاقيات الدولية التي صدقت عليها مصر. ولن يفوت الجمعية التأسيسية التي تعد مشروع الدستور الجديد للبلاد النص على اعتبار الاتفاقيات الدولية التي يتم إبرامها والتصديق عليها ونشرها في الجريدة الرسمية جزءاً من النظام القانوني في الدولة.

ويندرج ضمن الاتفاقيات الدولية تلك المتعلقة بحقوق الإنسان بصفة عامة، أو بحقوق بعض الفئات، ومنها المرأة، على وجه الخصوص. وبناء عليه تكون اتفاقية إزالة كافة أشكال التمييز ضد المرأة (السيداو) جزءاً من النظام القانوني في الدولة، لها على الأقل قوة النصوص القانونية الصادرة عن السلطة التشريعية (البرلمان) في مصر. ويترتب على ذلك النتائج التالية:

1- تلتزم الدولة بكافة سلطاتها باحترام وكفالة تنفيذ الحقوق المنصوص عليها في هذه الاتفاقية وغيرها من الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، وليس ذلك سوى التطبيق الفعلي لمبدأ سيادة القانون الذي يعد أساس الحكم في الدولة. ويكون على المشرع المصري أن يمتنع عن إصدار أي تشريع لاحق على الاتفاقية الدولية يتعارض مع أحكامها أو يلغي حقاً قررته، كما يتعين على المشرع أن يتدخل لمراجعة وتنقية القوانين القائمة من كل حكم يتضمن تمييزاً ضد المرأة ولا تقره الاتفاقية التي التزمت بها مصر. ومن المقرر في القانون الدولي أنه لا يجوز للدولة التي صدقت على اتفاقية من اتفاقيات حقوق الإنسان أن تتذرع بنصوص قانونها الوطني المتعارضة مع الحقوق المقررة في الاتفاقية لتعطيل نفاذ هذه الحقوق وتمتع مواطنيها بها.

2- ليس صحيحاً القول بأن اتفاقية السيداو غير قابلة للتنفيذ، وإنما يلزم إصدارها في صورة تشريع داخلي، فالنصوص الدستورية في مصر اكتفت بالتصديق على الاتفاقية ثم نشرها في الجريدة الرسمية، بعد موافقة البرلمان عليها، كي تتمتع بذات القوة التي تثبت للقانون الصادر مباشرة من البرلمان، وقوة القانون، تعنى نفاذه والتزام الكافة به، دون حاجة إلى إجراء تشريعي غير ما قرره الدستور.

3- أن اتفاقية السيداو قررت حقوقاً للمرأة نصت عليها النصوص الدستورية في مصر، وأهمها الحق في المساواة بينها وبين الرجل دون تمييز بسبب الجنس، لذلك يكون الإخلال بنصوص الاتفاقية عن طريق إقرار أي وجه من أوجه اللا مساواة بين الرجل والمرأة انتهاكاً للنص الدستوري الخاص بالمساواة بين الجنسين، ولو ورد هذا التمييز في نص قانوني، ويكون لكل متضرر من هذا التمييز القانوني أن يلجأ إلى المحكمة الدستورية العليا للقضاء بعدم دستورية النص القانوني المخالف لمبدأ المساواة بحكم ملزم لكافة سلطات الدولة.

4- يلتزم القاضي المصري بإعمال الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي صدقت عليها مصر ونشرتها في الجريدة الرسمية فيما يعرض عليه من منازعات. وهو إذ يفعل ذلك لا يطبق اتفاقية دولية، لكنه يطبق نصوصاً قانونية وطنية، أضفى عليها النظام الدستوري قوة القانون وجعلها جزءاً من النظام القانوني في الدولة. فلا يعد تطبيق الاتفاقية الدولية تنفيذاً لأجندات خارجية، لكنه التزام بالنصوص الدستورية المصرية التي حولت الاتفاقية إلى نصوص وطنية لها قوة القانون واجبة التطبيق.

5- يجب تدريب المحامين الذين يمثلون الأفراد أمام القضاء على الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي صدقت عليها مصر باعتبارها جزءاً من النظام القانوني للدولة، للاستعانة بها في الدفاع عن حقوق موكليهم أمام القضاء. وهذا ما حدث في قضية إضراب سائقي قطارات الهيئة القومية للسكك الحديدية في مصر، حيث استند دفاع المتهمين إلى نص المادة 8/د من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تبيح الإضراب وتجعله حقاً بالمخالفة للمادة 124 من قانون العقوبات المصري التي تجرم الإضراب.

وفي هذه الواقعة أصدرت محكمة جنايات القاهرة (دائرة أمن الدولة العليا طوارئ) حكمها ببراءة المتهمين في القضية استناداً إلى أن العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والثقافية قد تحول إلى تشريع مصري بعد التصديق عليه ونشره في الجريدة الرسمية بتاريخ 14 أبريل 1982 طبقاً لنص المادة 151 من الدستور. وحيث أن هذا النص الدولي جاء لاحقاً على نص المادة 124 من قانون العقوبات، باعتباره قانوناً من قوانين الدولة يتعين على القضاء الوطني تطبيقه باعتباره كذلك، فإنه يتعين اعتبار المادة 124 من قانون العقوبات قد ألغيت ضمناً بالمادة 8 فقرة (د) من الاتفاقية المشار إليها. ويعني ذلك أن محكمة الجنايات اعتبرت الاتفاقية الدولية بذاتها قانوناً داخلياً واجب النفاذ في مصر لاحقاً على قانون العقوبات، نسخ لذلك المادة 124 من هذا القانون الأخير.

6- حرص المشرع المصري في السنوات الأخيرة على تأكيد نظرته للاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان باعتبارها جزءاً من النظام القانوني للدولة، واجبة التطبيق في مصر من كافة سلطات الدولة. ونستدل على ذلك من بعض النصوص القانونية.

- الفقرة الثانية من المادة الأولى من قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 والمضافة بالقانون رقم 126 لسنة 2008. فالفقرة الأولى من هذه المادة تقرر كفالة الدولة لحماية الطفولة والأمومة، أما الفقرة الثانية من المادة – المضافة سنة 2008 - فتنص على ما يلي: "كما تكفل الدولة، كحد أدنى، حقوق الطفل الواردة باتفاقية حقوق الطفل وغيرها من المواثيق الدولية ذات الصلة النافذة في مصر". ويعني ذلك في وضوح أن حقوق الطفل الواردة في الاتفاقيات الدولية التي التزمت بها مصر هي جزء من قانون الطفل واجبة التطبيق في مصر إذا كانت تضيف حقاً لم ينص عليه قانون الطفل المصري.

- المادة 26 من قانون الجنسية المصرية رقم 26 لسنة 1975 التي تنص على أنه "يعمل بأحكام المعاهدات والاتفاقيات الدولية الخاصة بالجنسية التي أبرمت بين مصر والدول الأجنبية ولو خالفت أحكام هذا القانون". يشير هذا النص بوضوح إلى سمو الاتفاقية الدولية التي التزمت بها مصر على القانون الداخلي المتعارض معها وفقاً لنص ورد في التشريع الوطني وبإرادة وطنية وليس انصاعاً لإرادة أجنبية أو دولية.

لكن قد يقال بأن مصر قد تحفظت على بعض النصوص في الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان التي صدقت عليها، وهو ما يدعونا إلى بيان القيمة القانونية لهذه التحفظات ومدى ملاءمة الإبقاء عليها أو سحبها فيما يتعلق باتفاقية السيداو.

ثانياً: التحفظات المصرية على اتفاقية السيداو:

تحفظت مصر على بعض نصوص اتفاقية السيداو عند تصديقها عليها. ونشير إلى النصوص المتحفظ عليها ونحدد أسباب التحفظات، ثم نبين القيمة القانونية لها، ومدى ملاءمة الإبقاء عليها في ضوء التطور الذي حدث في مصر منذ التصديق على الاتفاقية.

أ- المواد المتحفظ عليها عند التصديق ومضمون التحفظ.

1- المادة 2، ونصها: تشجب الدول الأطراف جميع أشكال التمييز ضد المرأة، وتتفق على أن تنتهج، بكل الوسائل المناسبة ودون إبطاء، سياسة تستهدف القضاء على التمييز ضد المرأة. وتحقيقاً لذلك تتعهد بالقيام بما يلي:

أ- إدماج مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في دساتيرها الوطنية أو تشريعاتها المناسبة الأخرى، إذا لم يكن هذا المبدأ قد أدمج فيها حتى الآن، وكفالة التحقيق العملي لهذا المبدأ من خلال التشريع وغيره من الوسائل المناسبة؛

ب- اتخاذ المناسب من التدابير، تشريعية وغير تشريعية، بما في ذلك ما يناسب من جزاءات لحظر كل تمييز ضد المرأة؛

ﺠ- فرض حماية قانونية لحقوق المرأة على قدم المساواة مع الرجل، وضمان الحماية الفعالة للمرأة عن طريق المحاكم ذات الاختصاص والمؤسسات العامة الأخرى في البلد، من أي عمل تمييزي؛

د- الامتناع عن مباشرة أي عمل تمييزي أو ممارسة تمييزية ضد المرأة، وكفالة تصرف السلطات والمؤسسات العامة بما يتفق وهذا الالتزام؛

ﻫ- اتخاذ جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة من جانب أي شخص أو منظمة أو مؤسسة؛

و- اتخاذ جميع التدابير المناسبة، بما في ذلك التشريعي منها، لتغيير أو إبطال القائم من القوانين والأنظمة والأعراف والممارسات التي تشكل تمييزاً ضد المرأة؛

ز- إلغاء جميع الأحكام الجزائية الوطنية التي تشكل تمييزاً ضد المرأة.

مضمون التحفظ المصري علي هذه المادة أن مصر تبدي استعدادها لتنفيذ ما جاء بفقرات هذه المادة بما لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه في مواجهة هذا السبب للتحفظ هو: ما هي الفقرات التي يعد تنفيذها متعارضاً مع "مبادئ الشريعة الإسلامية" على النحو الذي كانت تقرره المادة الثانية من دستور 1971، ولا نعتقد أنه سوف يلحقها التعديل في الدستور الجديد.

2- المادة9 فقرة2، ونصها: 2- تمنح الدول الأطراف المرأة حقاً مساوياً لحق الرجل فيما يتعلق بجنسية أطفالهما. مضمون هذا النص أن المرأة المصرية يكون لها الحق في نقل جنسيتها إلى أبنائها إذا كانت متزوجة من غير مصري، بحيث يتمتع أبناء هذه الأم بجنسية الأم، كما يتمتع أبناء الأب المصري بجنسية أبيهم المصرية.

كان تحفظ مصر على هذه الفقرة بأن يكون ذلك دون إخلال باكتساب الطفل الناتج عن زواج لجنسية أبيه، وذلك تفادياً لاكتسابه لجنسيتين في حالة اختلاف جنسية الأبوين اتقاء للإضرار بمستقبله، إذ أن اكتساب الطفل لجنسية أبيه هو أنسب الأوضاع له، ولا مساس في ذلك بمبدأ المساواة بين الرجل والمرأة، إذ المألوف موافقة المرأة في حالة زواجها من أجنبي على انتساب أطفالها لجنسية الأب.

وواضح أن هذا التبرير ينطوي على مغالطة وإنكار للحقائق الطبيعية والقانونية، كما أنه يخالف المنطق. فالقول بأن اكتساب الطفل لجنسيتين يضر بمستقبله غير مقبول لأن ابن المصري المتزوج من أجنبية يكتسب جنسية أبيه وجنسية أمه إذا كان قانونها يعترف بحق الدم من جهة الأم، وقد كان منطق هذا التحفظ يقتضى حرمان ابن المصري من الجنسية المصرية إذا كان قد حصل على جنسية أمه غير المصرية اتقاءً للأضرار بمستقبله. والقول بغير ذلك مؤداه أن المشرع المصري يحرص على مستقبل ابن المصرية المتزوجة من أجنبي، فيحرمه من جنسية أمه المصرية، بينما لا يعنيه مستقبل ابن المصري الذي يحصل على جنسية أمه الأجنبية، فيمنحه الجنسية المصرية دون قيد أو شرط.

والتبرير ينطوي على إنكار للحقائق القانونية التي تضمنها قانون الجنسية المصري وهو يجيز ازدواج الجنسية لمن كان أبواه مصريان، ولا يرتب على حصول المصري على جنسية أجنبية حرمانه من حقوقه القانونية إذ يعتبره مصرياً من كافة الوجوه وفي جميع الأحوال.

وأخيراً ينطوي التبرير على مخالفة لحقائق الأمور عندما يقرر أن المألوف موافقة المرأة التي تتزوج من أجنبي على حرمان أولادها من الجنسية المصرية اكتفاءً بانتساب أطفالها لجنسية الأب. فليس هذا من المألوف أو المعقول، بل هو الظلم بعينه في ظل قانون للجنسية لا يزال يمنح الجنسية المصرية لمن ولد في مصر من أبوين مجهولين، ويعتبر اللقيط في مصر مولوداً فيها ما لم يثبت العكس.

وعلى كل حال فقد عدل قانون الجنسية المصري بالقانون رقم 154 لسنة 2004 ليمنح أبناء المصرية المتزوجة من أجنبي حق التمتع بالجنسية المصرية أو الحصول عليها، وهو ما يعني زوال وجه من أوجه عدم المساواة بين الرجل والمرأة في منح الجنسية لأبنائهما، فلم يعد المشرع المصري يرى في ازدواج جنسية ابن المصرية المتزوجة من أجنبي أي وجه من أوجه الإضرار بمستقبله. ونشير إلى دور المجلس القومي للمرأة في رفع هذا الظلم عن أبناء الأم المصرية المتزوجة من أجنبي الذين كانوا يعتبرون غرباء في وطنهم وبين أهليهم، لاسيما عندما تنفصم عرى الزواج وتعود الأم المصرية بأطفالها إلى وطنها.

لذلك يلزم أن تسحب مصر تحفظها على المادة 9 فقرة 2 من اتفاقية السيداو، تطبيقاً لنص المادة 28/3 من الاتفاقية بتوجيه إشعار بهذا المعنى إلى الأمين العام للأمم المتحدة. فلا يوجد مبرر للإبقاء على هذا التحفظ بعد اعتراف القانون المصري بالمساواة بين الرجل والمرأة في حق منح الجنسية لأبنائهما.

3- المادة 16، ونصها: تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في كافة الأمور المتعلقة بالزواج والعلاقات العائلية، وبوجه خاص تضمن على أساس المساواة بين الرجل والمرأة:

أ- نفس الحق في عقد الزواج؛

ب- نفس الحق في حرية اختيار الزوج، وفي عدم عقد الزواج إلا برضاها الحر الكامل؛

ﺠ- نفس الحقوق والمسؤوليات أثناء الزواج وعند فسخه؛

د- نفس الحقوق والمسؤوليات بوصفهما أبوين، بغض النظر عن حالتهما الزوجية، في الأمور المتعلقة بأطفالهما، وفي جميع الأحوال يكون لمصلحة الأطفال الاعتبار الأول؛

ﻫ- نفس الحقوق في أن تقرر، بحرية وبإدراك للنتائج، عدد أطفالها والفاصل بين الطفل والذي يليه، وفي الحصول على المعلومات والتثقيف والوسائل الكفيلة بتمكينهما من ممارسة هذه الحقوق؛

و- نفس الحقوق والمسؤوليات فيما يتعلق بالولاية والقوامة والوصاية على الأطفال وتبنيهم، أو ما شابه ذلك من الأعراف، حين توجد هذه المفاهيم في التشريع الوطني، وفي جميع الأحوال يكون لمصلحة الأطفال الاعتبار الأول؛

ز- نفس الحقوق الشخصية للزوج والزوجة، بما في ذلك الحق في اختيار اسم الأسرة والمهنة ونوع العمل؛

ح- نفس الحقوق لكلا الزوجين فيما يتعلق بملكية وحيازة الممتلكات والإشراف عليها وإدارتها والتمتع بها والتصرف فيها، سواء بلا مقابل أو مقابل عوض؛

2- لا يكون لخطوبة الطفل أو زواجه أي أثر قانوني، وتتخذ جميع الإجراءات الضرورية، بما في ذلك التشريعي منها، لتحديد سن أدنى للزواج ولجعل تسجيل الزواج في سجل رسمي أمراً إلزامياً.

تحفظت مصر على المادة 16 من الاتفاقية بتعليق تنفيذها على شرط عدم إخلال ذلك بما تكفله الشريعة الإسلامية للزوجة من حقوق مقابلة لحقوق الزوج بما يحقق التوازن العادل بينهما، وذلك مراعاة لما تقوم عليه العلاقات الزوجية في مصر من قدسية مستمدة من العقائد الدينية الراسخة التي لا يجوز الخروج عليها ...... وذلك أن أحكام الشريعة الإسلامية تفرض على الزوج أداء الصداق المناسب للزوجة والإنفاق عليها ثم أداء النفقة لها عند الطلاق، في حين تحتفظ الزوجة بحقوقها الكاملة على أموالها ولا تلتزم بالإنفاق منها على نفسها، ولذلك قيدت الشريعة حق الزوجة في الطلاق بأن أوجبت أن يكون ذلك بحكم القضاء في حين لم تضع مثل هذا القيد على الزوج.

وواضح من هذا التبرير أنه ينصب على آلية الطلاق التي ترتبط بالالتزام بالنفقة، فحيث ينفق الزوج ولا تلتزم الزوجة بالإنفاق يكون له أن يطلق دون اللجوء إلى القضاء. أما الزوجة فلا تستطيع الحصول على الطلاق إلا بحكم القضاء لكونها لا تلتزم بالإنفاق من أموالها على نفسها. وهذا التبرير سطحي ويقود منطقه إلى أنه إذا تساوى الزوجان في الإنفاق لم يعد هناك ما يبرر جعل الطلاق مرتبطاً بإرادة الزوج دون الزوجة. والحق أن تعليق الطلاق على صدور حكم به من القضاء يحقق مصلحة الأسرة والمجتمع، لكونه يحد من الطلاق غير المبرر، والطلاق في الشريعة الإسلامية أبغض الحلال إلى الله، فيكون ربطه بحكم القضاء أولى وأوجب بالنسبة للزوجين.

وإذا تجاوزنا هذا التبرير، فلا يوجد في نص المادة 16 ما يخالف أحكام الشريعة الإسلامية ويستوجب التحفظ عليه، لاسيما أنه قد ورد في التحفظ أن مصر تقبل المساواة بين الرجل والمرأة في كافة الأمور المتعلقة بالزواج وعلاقات الأسرة أثناء الزواج وعند فسخه شريطة ألا يخل ذلك بما تكفله الشريعة الإسلامية للزوجة من حقوق مقابلة لحقوق الزوج بما يحقق التوازن العادل بينهما. ومتى كانت حقوق الزوجة تحقق التوازن العادل بين الزوجين، وهو عين ما تصبو إليه اتفاقية السيداو، فلا يوجد ما يبرر التحفظ على المادة 16 التي تدعو للقضاء على التمييز ضد المرأة في كافة الأمور المتعلقة بالزواج والعلاقات العائلية على نحو يحقق التوازن العادل بين حقوق الزوجين. وقد نصت المادة 23 من اتفاقية السيداو على عدم المساس بالأحكام الواردة في تشريعات الدول الأطراف أو في اتفاقية دولية أخرى تكون أكثر تحقيقاً للمساواة بين الرجل والمرأة.

4- المادة 29-1، خاصة بالتحكيم كوسيلة لتسوية الخلافات الناشئة حول تفسير أو تطبيق الاتفاقية. وهذا التحفظ لا يتعارض مع موضوع الاتفاقية وغرضها. لذلك أجازت الفقرة الثانية من المادة 29 لأي دولة أن تعلن تحفظها على الالتزام بالتحكيم، كما لها أن تسحب هذا التحفظ متى شاءت.

ب - القيمة القانونية للتحفظات المصرية ومدى ملاءمة الإبقاء عليها:

أشرنا إلى أن التحفظ على المادة 9 فقرة 2 من الاتفاقية لم يعد له مقتضٍ بعد تعديل قانون الجنسية المصرية ومنح الأم المصرية حقاً مساوياً لحق الأب المصري فيما يتعلق بجنسية أطفالهما، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى، لا ضرر من الإبقاء على التحفظ الخاص باللجوء إلى التحكيم لتسوية الخلافات الناشئة بين الدول الأطراف في الاتفاقية (م 29 – 1)، لأن هذا التحفظ لا يتعارض مع موضوع اتفاقية السيداو وغرضها.

أما التحفظات على المادتين الثانية والسادسة عشرة من الاتفاقية، فلا تزال قائمة. ومبررها كما رأينا مظنة التعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية.

 تقييم التحفظ على المادة الثانية من الاتفاقية:

الواقع أن المادة الثانية من اتفاقية السيداو تمثل موضوع وغرض الاتفاقية، فهي تتعلق بشجب الدول لكافة أشكال التمييز ضد المرأة، وتلزم الدول باتباع سياسات للقضاء على التمييز ضد المرأة في كافة المجالات. لذلك فالتحفظ على المادة الثانية هو أخطر التحفظات، لأنه يرد على مادة تمثل عصب وموضوع وغرض الاتفاقية، أو هو تحفظ على الاتفاقية في ذاتها. وقد نصت المادة 19 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لسنة 1969 على اشتراط ألا يكون التحفظ على الاتفاقية منافياً لموضوع الاتفاقية وغرضها، كما أكدت المادة 21 من قانون المعاهدات على بطلان أي تحفظ ينافي موضوع الاتفاقية وغرضها. ونصت المادة 28 من اتفاقية السيداو ذاتها على عدم جواز إبداء أي تحفظ يكون منافياً لموضوع هذه الاتفاقية وغرضها.

وهدف اتفاقية السيداو هو تحقيق المساواة في الحقوق بين الجنسين، والقضاء على كل مظاهر وأشكال التمييز بينهما. لذلك لا يجوز إبداء أي تحفظ يخالف هذا الهدف ويتنافى بالتالي مع موضوع الاتفاقية وغرضها، فهذا التحفظ يبطل ولا يترتب عليه أي أثر، ولا يعفى الدولة المصدقة على الاتفاقية من التزامها بأحكام الاتفاقية وبالقضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة، بما فيها أشكال التمييز التي تحفظت بشأنها.

والذي نراه بخصوص المادة الثانية من اتفاقية السيداو أنها لا تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية، للأسباب التالية:

1- المادة الثانية قد تخالف قوانين أو ممارسات واقعية تمييزية في المجتمع لا شأن للشريعة الإسلامية بها. بل إن المتأمل في هذه القوانين أو الممارسات يدرك أنها هي ذاتها التي تخالف الفهم الصحيح لأحكام الشريعة الإسلامية الغراء التي لا تقر تمييزاً ولا تقبل ظلماً.

2- أن التحفظ على المادة الثانية بزعم مخالفتها للشريعة الإسلامية ينطوي ضمناً على الادعاء بأن الشريعة الإسلامية لا تقر المساواة بين الرجل والمرأة، وأن أحكامها تكرس اللامساواة. والحقيقة أن الإسلام ليس مسؤولاً عن الوضعية القانونية والواقعية الظالمة للمرأة في أغلب المجتمعات الإسلامية، لأنها نتاج ثقافة مجتمعية تجاه المرأة تضعها دائماً في وضع الدونية، وليس هذا هو شأن المرأة في الشريعة الإسلامية.

3- أن موضوع المادة 2 هو القضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة، والتمييز ضد المرأة لا يمكن أن يكون مصدره الشريعة الإسلامية، وإنما النصوص التمييزية في القوانين القائمة. ولا يجوز لدولة أن تحتج بنصوص قوانينها الداخلية لتفلت من الوفاء بالتزاماتها الدولية بتحقيق المساواة إعمالاً للاتفاقية التي صدقت عليها. ونضرب مثالاً على ذلك بالفقرة الأخيرة من المادة الثانية من الاتفاقية التي تلزم الدول "بإلغاء جميع الأحكام الجزائية الوطنية التي تشكل تمييزاً ضد المرأة". وليس في ذلك أدنى تعارض مع الشريعة الإسلامية التي لا تميز في التجريم والعقاب بين الرجل والمرأة، بل هذا التعارض قائم بين نص الاتفاقية وبعض نصوص قانون العقوبات المصري الذي يميز في التجريم والعقاب بين الرجل والمرأة، كما هو الحال في جريمة الزنا أو جريمة ممارسة الدعارة مثلاً. لذلك فنصوص قانون العقوبات التمييزية هي التي تتعارض مع الشريعة الإسلامية ومع الاتفاقية الدولية في آن واحد. لذلك يكون المقصود من التحفظ على هذه المادة الإبقاء على النصوص التمييزية في التشريع المصري التي تتضمن تمييزاً ضد المرأة تحت ستار التذرع ظلماً بأحكام الشريعة الإسلامية.

4- أن التحفظ على المادة الثانية ليس سببه تعارض فعلي بين نص المادة وأحكام الشريعة الإسلامية، ولكنها تحفظات احتياطية أبديت على مظنة التعارض بين النص الدولي وبعض الاجتهادات الفقهية. وقد يكون مبعث التحفظ سوء الفهم للمضمون الحقيقي للنص المتحفظ عليه، أو الرغبة في التوافق مع ثقافة مجتمعية غير إسلامية تقوم على الاعتقاد الخاطئ بتفوق أحد الجنسين على الآخر، وهي ثقافة تفرز أنماطاً سلوكية تمييزية ينبغي العمل على تغييرها بالوسائل التشريعية وغيرها من الآليات المناسبة، بدلاً من التحفظ على النص الدولي الذي يقرر الإجراءات والتدابير والآليات الواجب اتباعها لإزالة كل إشكال التمييز ضد المرأة.

ومما يؤكد عدم ملاءمة الإبقاء على التحفظ الخاص بالمادة الثانية من الاتفاقية، وضرورة سحب هذا التحفظ لانتفاء التعارض بين نص المادة وأحكام الشريعة الإسلامية، توصية المجلس القومي لحقوق الإنسان في تقريره المقدم إلى المجلس الدولي لحقوق الإنسان بجنيف، حول المراجعة الدورية الشاملة لحماية حقوق الإنسان في مصر عن الفترة من 2006 – 2009، تحت البند سادساً الخاص بتعزيز حقوق المرأة، حيث أوصى بضرورة رفع التحفظ عن المادة (2) من الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة. ونحن بدورنا نجدد المطالبة بسحب هذا التحفظ، ونناشد المجلس القومي للمرأة والمجلس القومي لحقوق الإنسان بالسعي لدى السلطات المختصة لرفع هذا التحفظ الذي يسئ للشريعة الإسلامية قبل أن يسئ إلى المكانة الدولية لمصر.

تقييم التحفظ على المادة السادسة عشرة من الاتفاقية:

المادة السادسة عشرة من الاتفاقية تتعلق بالمساواة بين الجنسين في إطار الزواج والعلاقات الأسرية. ويشهد الواقع العملي بوجود ممارسات تمييزية بين الرجل والمرأة في هذا المجال، وهي ممارسات مصدرها الثقافة المجتمعية المبنية على مفهوم دونية المرأة وإنكار حقوقها الإنسانية التي أقرتها القوانين المستمدة أساساً من الشريعة الإسلامية.

والحقيقة أن استعراض بنود المادة 16 لا يظهر تعارضاً بينها وبين الشريعة الإسلامية. لذلك فالتحفظ على هذه المادة لا يستند إلى اعتبارات موضوعية، بل القصد منه تبرير واقع الممارسات التمييزية الظالمة التي تعاني منها المرأة في بعض المجتمعات العربية، وهي ممارسات عجزت القوانين الوطنية عن تغييرها أو القضاء عليها.

وقد تطورت قوانين الأحوال الشخصية في دول عربية وإسلامية في اتجاه منح المرأة بعض الحقوق التي وردت في المادة 16، وهي حقوق مستمدة من الشريعة الإسلامية. ففي مجال الطلاق، تجيز أحكام الشريعة للمرأة أن تحتفظ بالحق في تطليق نفسها وإثبات ذلك في عقد الزواج. كما أقر نظام الخلع الذي يجيز للمرأة أن تنهي العلاقة الزوجية بالتراضي مع زوجها أو باللجوء إلى القضاء. وقد قيل تبريراً للتحفظ على انفراد الرجل بالطلاق أن حق المرأة المساوي لحق الرجل في إنهاء العلاقة الزوجية يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية.

ونستعرض بنود المادة 16 لنبين موقف الإسلام تشريعاً وفقهاً منها:

أ- نفس الحق في عقد الزواج: أي حق المرأة في أن تعقد زواجها بنفسها أو تكون وكيلة في تزويج غيرها. يشترط جمهور الفقهاء أن يزوج المرأة وليها الشرعي، لأنه لا زواج إلا بولي وشاهدين. لكن فقهاء المذهب الحنفي – المعمول به في مسائل الأحوال الشخصية في مصر– يرون أنه يجوز للمرأة البالغة العاقلة أن تزوج نفسها بنفسها، وأن تزويجها لنفسها صحيح، فهم لا يشترطون الولي في الزواج.

ب- نفس الحق في اختيار الزوج وعدم انعقاد الزواج إلا برضاها الحر: وهل في أحكام الشريعة الإسلامية أو الفقه ما يعارض حق الزوجة في اختيار زوجها كما للزوج الحق في اختيار زوجته؟ وهل يقبل الإسلام أن ينعقد الزواج بدون الرضاء الحر الكامل للمرأة، فالرضاء شرط لانعقاد الزواج، فلا ينعقد صحيحاً إذا انتفى عنصر الرضاء الحر.

ﺠ- نفس الحقوق والمسؤوليات أثناء الزواج وعند فسخه: وقد أجمل الإسلام تلك الحقوق في المعاشرة بالمعروف أو التسريح بإحسان ويعني ذلك المساواة في تحمل مسؤولية الحياة مع احترام كل من الزوجين للآخر. فلا يجوز للزوج أن يضر بزوجته أو يضيق عليها في المعاملة أثناء الحياة الزوجية، كما لا يجوز له أن يرغمها على الاستمرار في حياة زوجية هي لها كارهة، فليس ذلك من سمات الرجولة.

ويقر التشريع المصري المستمد من الشريعة الإسلامية للمرأة بالحق في أن تضع بعض الشروط في عقد الزواج على نحو يوفر المساواة في المراكز القانونية. من ذلك تفويض الزوجة في تطليق نفسها، دون اللجوء إلى القضاء، وإقرار نظام الخلع الذي يضمن للمرأة التساوي مع الرجل في قدرتها على إنهاء عقد الزواج بحكم غير قابل للطعن فيه من الزوج.

د- نفس الحقوق والمسؤوليات كوالدة بغض النظر عن الحالة الزوجية مع كون مصلحة الأطفال هي الراجحة: تراعي الشريعة الإسلامية في مسألة الحضانة مصلحة الطفل، وقد فصل الفقه الإسلامي أحكام الحضانة وشروط الحاضنة وواجباتها بما يحقق مصلحة المحضون. ولا تعارض بين الشريعة أو الفقه الإسلامي وبين هذه الفقرة من المادة 16.

ﻫ- نفس الحقوق في موضوع الإنجاب: تؤكد النصوص والآراء الفقهية المسؤولية المشتركة بين الزوجين في مجال الإنجاب على أساس من المساواة والتشاور والتراضي، سواء فيما يتعلق بالحمل وعدد الأولاد أو في مسائل الإرضاع والفطام مع الاسترشاد بآراء أهل الخبرة الطبية لتفادي الضرر الذي يمكن أن يلحق بالوالدة أو المولود.

و- نفس الحقوق والمسؤوليات في القوامة والولاية والوصاية على الأطفال "وتبنيهم": المساواة بين الرجل والمرأة في هذه المسائل لا يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية. وقد يقال إن الإسلام يرفض نظام "التبني"، وهذا لا خلاف عليه. لكن النص لا يفرض على الدولة المصدقة على الاتفاقية أن تقر نظام التبني أو غيره من الأنظمة الواردة في هذه الفقرة، وإنما تقرر ضرورة المساواة بين الجنسين فيما يتعلق بهذه المسائل، وذلك "حين توجد هذه المفاهيم في التشريع الوطني"، فإن كان التشريع الوطني لا يقرها، فلا التزام على الدولة بإنشائها لتنفيذ الاتفاقية. كما تسمح هذه الفقرة بأنظمة أخرى بديلة لما ورد فيها، بدليل ما ورد في هذه الفقرة من تعبير " أو ما شابه ذلك من الأعراف"، مثل نظام "كفالة اليتيم"، مع تساوي المرأة والرجل في الحقوق والمسؤوليات فيما يتعلق بهذا النظام، وإمكان الأخذ به دون تفرقة بينهما تحقيقاً لمصلحة الطفل الفضلى.

لذلك ليس صحيحاً الادعاء بأن اتفاقية السيداو تلزم الدول المصدقة عليها بإقرار نظام التبني المتعارض مع الشريعة الإسلامية. فما تفرضه الاتفاقية هو المساواة بين المرأة والرجل في نظام التبني إذا كان النظام القانوني في الدولة يقر هذا النظام. أما إذا كان النظام القانوني لا يعترف بهذا النظام، فيجب ضمان المساواة بين المرأة والرجل في أي نظام آخر يكون بديلاً يقره التشريع الوطني المستمد من الشريعة الإسلامية.

ز- نفس الحقوق الشخصية بما في ذلك الحق في اختيار اسم الأسرة والمهنة ونوع العمل: لا يفرق النظام الإسلامي في مجال الحقوق الشخصية بين الرجل والمرأة، فلها أن تحتفظ باسم أسرتها بعد زواجها ولها الحق في اختيار المهنة باعتبار ذلك من نتائج الأهلية القانونية والاقتصادية للمرأة. ويقر الفقه الإسلامي للمرأة أن تشترط في عقد الزواج استمرارها في عملها، أو قيامها بالعمل بعد الزواج، فممارسة المهنة أو العمل الذي تختاره المرأة لا يتعارض مع نص قطعي الثبوت والدلالة في الشريعة الإسلامية ، ولا يجوز حرمانها من الحق في اختيار المهنة أو العمل الذي تتوافر مؤهلات القيام به لدى المرأة استناداً إلى اختلاف الجنس. وحرمان المرأة من تولى بعض الوظائف لا يستند إلى نص شرعي، بل إلى رأي فقهي مع وجود آراء فقهية أخرى لا تقر هذا الحرمان. كما أن هذا الحرمان تفسره ثقافة المجتمع التي لم تتطور بدليل تولى المرأة الوظائف ذاتها في دول عربية وإسلامية دون معارضة مجتمعية أو عوائق شرعية أو قانونية.

ﺤ- نفس الحقوق فيما يتعلق بالملكية والحيازة وإدارة الممتلكات: للمرأة في الإسلام أهلية مالية واقتصادية كاملة، ولها ذمة مالية مستقلة لا تختلط بذمة زوجها بعد الزواج، ولها حق إدارة ممتلكاتها واكتساب ملكية الأموال دون قيد أو شرط. وقد سبق النظام القانوني الإسلامي الأنظمة الوضعية في الاعتراف للمرأة بكل ذلك.

أما الفقرة 2 من المادة 16 الخاصة بمنع خطوبة الطفل أو زواجه وضرورة تحديد سن أدنى للزواج وجعل تسجيل الزواج في سجل رسمي أمراً إلزامياً، فلا نرى وجه التعارض بينها وبين أحكام الشريعة الإسلامية، فهي تحمى الطفل من الزواج المبكر، وتحافظ على حقوق المرأة التي تضيع إذا لم يكن الزواج موثقاً في سجلات رسمية، حيث يقرر القانون المصري عدم سماع أي دعوى من دعاوي الزوجية إذا لم يكن الزواج ثابتاً بوثيقة رسمية.

خاتمـــة

مما تقدم نرى أن الالتزام باتفاقية السيداو لم يفرض على الدولة المصرية من الخارج، وإنما تم بإرادة وطنية خالصة طبقاً للنظام الدستوري الذي أقر للاتفاقيات الدولية التي صدقت عليها مصر ونشرتها في الجريدة الرسمية بقوة القانون الصادر من السلطة التشريعية في الدولة. كما أن التحفظ على بعض نصوص الاتفاقية يرتبط بإرادة الدولة، إن شاءت تحفظت، ويكون لها أن تسحب تحفظها على النصوص المتحفظ عليها.

وفي خصوص التحفظ على اتفاقية السيداو، نلاحظ أن التحفظ على المادة 9/2 لم يعد له مقتضٍ بعد إقرار المساواة القانونية بين الرجل والمرأة في حق منح الجنسية لأبنائهما. كما أن التحفظ على المادة 29/1 لا يتعلق بمبدأ المساواة بين الرجل والمرأة، لتعلقه بإمكانية تسوية الخلافات بين الدول الأطراف عن طريق التحكيم.

وقد رأينا أن التحفظ على المادة الثانية الخاصة بمبدأ المساواة وتطبيقاته يتعارض مع موضوع الاتفاقية وغرضها، ولذلك يبطل التحفظ ويكون من الملائم سحبه، لعدم جدواه في إعفاء الدولة من التزاماتها المترتبة على هذه المادة.

أما التحفظ على المادة 16 الخاصة بالمساواة بين الجنسين في إطار الزواج والعلاقات الأسرية، فإن الفهم الصحيح لمضمون فقرات هذه المادة يمكن أن يبدد الاعتقاد لدى البعض بأن بعض هذه الفقرات يتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية.